المقريزي

102

المقفى الكبير

وكتب إليه : قد فهمت كتابك . فأمّا تربّصي في خنادقي فهم الذين هزموا فلانا وفلانا ، وقتلوا فلانا وفلانا ، وإنّما طلبت بالخندق أثرا بلغني عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وطلبت يمنه وبركته . وذكرت جباية المال ، ومن عجز عن المال فهو عن العدوّ أعجز ، وللجند مؤونة ولهم في المال قوّة ، ولا بدّ لنا ولهم من جبايته . ووجدت مثلي ومثلك كما قال الشاعر [ الطويل ] : ومستعجب ممّا يرى من أناتنا * ولو زابنته الحرب لم يترمرم « 1 » وذكرت أنّك قد رأيت مكان القشيريّة وأرضي وداري ، وو اللّه ما بلغ من خطر عجوز من عجائز بني قشير ، أو بدرة تنزعها ، أو شجرة تقطعها أن أركب غير رأيي أو أخاطر بجندي وخاصّتي من أهل مضر حتّى أرى فرصتي من عدوّي . وإنّ من البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يعلمه . وقد بلغك ما لقي من كان قبلي ، وأنا أعلم بالحرب ومداراتها ، والحرب خدعة . وقد رأيت ما لقيت أنت وأبوك يوم الرّبذة حين أتتكم خيل ابن الزبير . وأمّا تعجّبك من تركك إيّاي على عملي ، وأنّي رجل من أهل عمان ثم من الأزد ، فصدقت . لعمر اللّه إنّي لأزدي عمانيّ نعمانيّ ، وما أحبّ أنّ لي بموضعي من قومي موضعا ، وإنّ شرّا من أهل عمان قبيلة تنازعها قبائل شتّى . وقولك : إنّي إن لم ألقهم يوم كذا وكذا أسندت إليّ الرمح ، فقد ظننت أنّ ما دعاك إلى ذلك ما نلت من الظفر بأهل الحجاز والرعاع الذين لقيت مع ابن الزبير . ولئن فعلت لأقلبنّ عليك الترس والسلام . فلمّا قرأ الحجّاج الكتاب كتب إلى عبد الملك بن مروان : إنّ المهلّب صاحب خلاف وفتن ، وقد نزع يدا من طاعة وفارق الجماعة . ولو شئت أن ينصب لي الحرب دون الأزارقة ، فعل . ولو شاء لناجز القوم ، ولكنّه يطاولهم ليأكل بهم الأرض ويستأثر بالفيء . ثمّ أدرج كتاب المهلّب إليه في داخل كتابه إلى عبد الملك . فلمّا قرأهما عبد الملك أحضر خالد بن عبد اللّه القسريّ وعبد اللّه بن عمرو بن عثمان ، وأقرأهما الكتابين ، وقال : أترى المهلّب فعلها ؟ فقال : لا ! كذب الحجّاج . ما أبعد المهلّب ممّا نحله ! ولكنّ الحجّاج رجل مفسد أخرق لا يزال يعتلّ على أهل الطاعة حتى يفسد طاعتهم ويخرجهم إلى غير [ ما ] كانوا عليه ، وما للمهلّب ذنب . ألا ترى إلى كتاب المهلّب ؟ إنّما هو جواب كتاب الحجّاج إليه ، وليس بابتداء . فاكتب يا أمير المؤمنين إلى المهلّب كتابا لطيفا ، وإلى الحجّاج كتابا غليظا ينهاه عن المهلّب ، فإنّ المهلّب لا تتّهم طاعته ولا نصيحته . فعرف عبد الملك أنّهما نصحاه وصدقاه ، فقال : فعل اللّه بالحجّاج ! أراد استفساد المهلّب . ثمّ كتب إلى الحجّاج : إنّي قد قرأت كتابك إلى المهلّب « 2 » وكتابك فيه إليّ ، فوجدتك قد حرّفت به ، واتّهمت طاعته ونصيحته ، وليس كما ذكرت . فاكتب إليه كتابا ليّنا ، فإنّه أعلم بما هو فيك منك ، وما استعانك من قوّة أو مدد فأعنه ، واعرف له سنّه وشرفه وغناءه عن المسلمين ، وأنّه لا سلطان عليه دون أمير المؤمنين ، فاعرف ذلك من رأي أمير المؤمنين ، وانته إليه !

--> ( 1 ) البيت في اللسان [ رمم ] منسوب إلى أوس بن حجر ، وفي المخطوط : ومستعجل ممّا يرى في أنانتا . وهو كذلك في الكامل للمبرّد 1143 منسوب إلى أوس . ( 2 ) هكذا في المخطوط ، والصواب : كتاب المهلّب إليك .